ابن عجيبة
249
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم قال تعالى : وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ ، أي : نودي : أن ألق عصاك ، فألقاها ، فقلبها اللّه ثعبانا ، فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ ؛ تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ ؛ حية رقيقة . فإن قيل : كيف قال في موضع : ( كأنها جان ) ، وفي أخرى : فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ * « 1 » ؟ قلت : هي في أول أمرها جان ، وفي آخر أمرها ثعبان ؛ لأنها كانت تصير حية على قدر العصا ، ثم لا تزال تنتفخ حتى تصير كالثعبان ، أو : يريد في سرعة الجان وخفته ، وفي قوة الثعبان . فلما رآها كذلك وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ؛ ولم يرجع عقبه . فقيل له : يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ، أي : أمنت من أن ينالك مكروه من الحية . و اسْلُكْ : أدخل يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ؛ جيب قميصك تَخْرُجْ بَيْضاءَ لها شعاع كشعاع الشمس مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ؛ برص . وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ، أي : الخوف ، فيه لغات : « الرّهب » ، بفتحتين ، وبالفتح والسكون ، وبالضم معه ، وبضمتين . والمعنى : واضمم يدك إلى صدرك ؛ يذهب ما لحقك من الخوف لأجل الحية ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنه : ( كل خائف ، إذا وضع يده على صدره ، ذهب خوفه ) « 2 » . وقيل : المراد بضم يده إلى جناحه تجلده ، وضبطه نفسه عند انقلاب العصا حية ، حتى لا يضطرب ولا يرهب ، استعارة من فعل الطائر ؛ لأنه إذا خاف ؛ نشر جناحيه وأرخاهما . فَذانِكَ أي : اليد والعصا ، ومن شدد ؛ فإحدى النونين عوض من المحذوف ، بُرْهانانِ أي : حجتان نيرتان . وسميت الحجة برهانا ؛ لإنارتها ، من قولهم : بره الشيء : إذا ابيض ، والمرأة برهاء وبرهرهة : أي : بيضاء . مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي : أرسلناك إلى فرعون وقومه بهاتين الحجتين ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ : خارجين عن الحق ، كافرين باللّه ورسوله . الإشارة : قد تقدم في سورة « طه » « 3 » بعض إشارتها . ويؤخذ من الآية أن تزوج المريد ، بعد كمال تربيته ، كمال ، وأما قبل كماله : فإن كان بإذن شيخه ؛ فلا يضره . وربما يتربى له اليقين أكثر من غيره . قوله تعالى : وَسارَ بِأَهْلِهِ ؛ قال الورتجبي : افهم أن مواقيت الأنبياء والأولياء وقت سير الأسرار من بدء الإرادة إلى عالم الأنوار . ه . وقوله تعالى : آنَسْتُ ناراً ؛ قال الورتجبي : الحكمة في ذلك : أن طبع الإنسانية يميل إلى الأشياء المعهودة ، لذلك تجلى النور في النار ؛ لاستئناسه بلباس [ الاستئناس ] « 4 » ، ولا تخلو النار من الاستئناس ، خاصة في الشتاء ، وكان شتاء ، فتجلى الحق بالنور في لباس النار ؛ لأنه كان في طلب النار ، فأخذ الحق مراده ، وتجلى من حيث إرادته ، وهو سنة اللّه تعالى . ه .
--> ( 1 ) من الآية 143 من سورة الأعراف . ( 2 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 6 / 207 ) . ( 3 ) راجع المجلد الثالث ، ص : 382 - 383 . ( 4 ) في الورتجبي : « الالتباس » .